نورالدين علي بن أحمد السمهودي

215

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

وذكره ابن زبالة مع مخالفة في التاريخ فقال : وفي ليلة الأربعاء هلال المحرم سنة ثمان وخمسين ومائة في إمارة عبد الصمد لما أصيب المسجد بتلك الغرقة استغاث الناس على سيل مهزور مخافة على القبر ، فعمل الناس بالمساحي والمكاتل والماء في برقة إلى أنصاف النخل ، فطلعت عجوز من أهل العالية فقالت : أدركت الناس يقولون : إذا خيف على القبر فاهدموا من هذه الناحية ، يعني القبلة ، فدار الناس إليها فهدموا وأبدوا عن حجارة منقوشة ، فعدل الماء إلى هذا الموضع اليوم وأمنوا ، وهي الليلة التي هدمت فيها بيوت بطحان وبني جشم ، انتهى . ونقله المراغي إلا أنه قال كما رأيته بخطه : وأبدوا حجارة منقوشة ، وضبط الباء بالتشديد ، والذي في كلام ابن زبالة وابن شبة ما قدمته ، قال المراغي عقبه : وبنو جشم لا تعرف ، وإنما المعروف دشم - بالدال - بستان شامي مسجد الفعلة على نحو رميتي سهم منه ، فلعلها منازلهم ، ووقع في الاسم تغيير . قلت : والظاهر أن المراد منازل بني جشم بن الحارث بالسنح لقربها من بطحان ، فطغى الماء إليها لما صرفوه . تتمة فيما قضى به النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذه الأودية قضاؤه بين رجل من الأنصار والزبير روينا في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن الزبير أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها النخل ، فقال الأنصاري : سرح الماء يمر ، فأبى عليه ، فاختصما عند النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم للزبير : اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك ، فغضب الأنصاريّ ، فقال : أن كان ابن عمتك ؟ فتلوّن وجه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ثم قال : اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر . وفي رواية للبخاري : حتى يرجع الماء إلى الجدر ، فكان ذلك إلى الكعبين ، وفي أخرى له : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم أشار على الزبير برأي فيه سعة ، فلما أحفظ الأنصاري النبيّ صلى اللّه عليه وسلم - أي أغضبه - استوفى للزبير حقه في صريح الحكم . والجدر قيل : أصل الشجرة ، وقيل : جدور المشارب التي يجتمع فيها الماء في أصول النخل ، وقيل : المسحاء وهو ما وقع حول المزرعة كالجدار ، وقال ابن شهاب : قدرت الأنصار والناس ما قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فكان ذلك إلى الكعبين . وفي سنن أبي داود عن ثعلبة بن أبي مالك أنه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلا من قريش كان له سهم من بني قريظة ، فخاصم إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم في مهزور السيل الذي يقسمون ماءه ، فقضى بينهم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن الماء إلى الكعبين لا يحبس الأعلى على الأسفل .